Get Adobe Flash player

إدرنان

  

إدرنان

"إيمازيغن" يواصلون التشبث بتراب سوس في احتفالات موسم "إدرنان"

تحرص عدد من القبائل الأمازيغية في ربوع سوس على مواصلة إحياء عدد من العادات الضاربة في عمق التاريخ، تجسيدا لوعي جماعي وحس مشترك يربط ساكنة القبائل الأمازيغية، وتعبيرا عن انتماء أصيل وتشبث بحضارة عريقة لا تزال تمظهراتها خالدة إلى اليوم.

طرق إحياء الأعراس ومختلف المناسبات العائلية، وحتى الدينية منها، تُبرز حرص القبائل الأمازيغية بمناطق سوس على طابعها التقليدي الصرف، فالأزياء والأهازيج والعادات المواكبة لتلك الاحتفالات خير دليل على محافظة الأهالي على إرثهم، وهو ما يضفي نكهة خاصة على تلك الأعراس والمناسبات.

ولا تقتصر تمظهرات الحفاظ على الهوية الأمازيغية في مختلف مناحي حياة ساكنة سوس على الأعراس والمواسم "إنموكارن" وغيرها، بل تتعداها إلى أنماط المأكولات في مناسبات محدّدة، لها تاريخ مُحدّد وتسلسل زمني للاحتفاء، وهي تشترك من حيث دواعي ودلالات الاحتفال. ويعدّ موسم "إدرنان" أحد تجليات التعبير عن التعلق بالتقاليد الأمازيغية المتوارثة.

وتختلف الروايات التاريخية حول دوافع احتفال المناطق الجبلية الأمازيغية بسوس بموسم "إدرنان"، فهناك من يربط ذلك بتخليد السنة الأمازيغية الجديدة، فيما يرى البعض بأنه أقدم احتفال جماعي وقبائلي طلبا للغيث وحفظا للزرع من الجفاف. وينسب مؤرخون موسم "إدرنان" إلى أحد الشيوخ بمنطقة إمي أكشتيم، الذي اقترح الاحتفال بهذا الموسم في فترة كانت المعارك مشتعلة بين القرى، من أجل وقف الاقتتال وتثبيت الأمن بين تلك القبائل خلال موسم الاحتفال.

وتمتد الاحتفالات بموسم "إدرنان" نحو شهرين، حيث تبدأ من الأسبوع الأول من السنة الأمازيغية، وتدوم ثلاثة أيام (الخميس، الجمعة والسبت). ولمواعيد الاحتفال تقسيم معروف لدى القبائل الأمازيغية، غير قابل للتأجيل أو التقديم، مهما كانت الظروف، حيث تم الاحتفاظ بتلك المواعيد أزيد من قرن وربع، منذ بداية الاحتفالات بالموسم، حسب ما ذهب إليه باحثون في هذا الخصوص.

طرق الاحتفال بـ"إدرنان" تحمل في طياتها معاني ودلالات اجتماعية عميقة، على اعتبار أنها فرصـة للتواصل الشخصي والجماعي والتعارف ونسج الروابط وعلاقات الزواج، فتجد المناطق التي يحل بها الموسم تستعدّ لاستقبال الضيوف، وتوفير لوازم إعداد بعض الأكلات والفطائر المميزة لهذه المناسبة، والتي تؤثث الموائد خلال هذا الموعد السنوي، فضلا عن أداء رقصات وأهازيج محلية كأحواش.

وبقبائل آيت صواب، بجبال اشتوكة آيت باها، وعلى غرار مناطق مجاورة كآيت أحمد وأنزي وتفراوت وإداوكنيضيف، تشهد الأسواق المحلية خلال هذه الفترة من السنة، إلى غاية نهاية شهر مارس، حركة دؤوبة من أجل توفير كل الحاجيات الضرورية لضمان الاحتفالات بهذه العادات، فتشمر النسوة عن سواعدهن لاستقبال الضيوف والزوار وأبنائهن المغتربين، فيما يكون للمطبخ نصيب من هذه الاستعدادات.

وعن هذه العادات، أوضح لحسن بنضاوش، وهو فاعل جمعوي مهتم بالشأن الثقافي الأمازيغي، أن "إدرنان عادة اجتماعية تجمع بين الثقافي، الفلاحي، الكوني والسياسي في مرحلة معينة"، مشيرا إلى أن "الروايات تختلف حول سببها وظروف حدوثها، إلا أن كل الروايات تجتمع على عمق تاريخها وتجذرها في تاريخ هذه الأرض". وعن أصل التسمية، يقول بنضاوش إن "ءيدرنان من ءيدر، تودرت (الحياة)، وهذا ما يفسر أنها وقعت في أحد الأزمنة الصعبة التي تميزت بالجفاف والقحط، فكانت فكرة جمع ما لدى قبائل بعينها اختراعا منها لفكرة الاستمرارية والتغلب على الجوع، حيث تم جمع ما كان من الشعير، وإعداد "أدرني" وهي خبز رقيقة جدا، ومنها تم الأخذ بإدرنان".

وأوضح بنضاوش أنّ يوم الخميس يُخصّص لاستقبال الضيوف، ولعملية ذبح جماعي ببعض القبائل تسمى "لوزيعت"، وبالليل تتم وجبة أوييل (بوزروك) مع ءيدرنان (البغرير) والإسفنج. ويضيف بنضاوش أن "صباح الجمعة يخصص لزيارة الأضرحة واللقاء بـ"المسيد" وتناول الطعام، وبعد الظهر تجتمع "الفخذات" في ما يسمى "أمغر"، فيما يتجول الأطفال بالدوار يجمعون مواد غذائية وحلويات وءيدرنان والإسفنج، ليعدوا وقت العصر أكلة بالمسجد في ما يسمى محليا "أسمون ن ءيدرنان"، وفي الفترة المسائية تكون أحواش والهضرت في أماكن مختلفة".

 

وتتميّز مائدة موسم "إدرنان" بالحضور القوي لـ"الشفنج"، فضلا عن فطائر يُطلق عليها محليا اسم "إدرنان"، ناهيك عن "طواجين" لحم "المعزي" وأطباق "البسيس"، وزيت الأركان المحلي، بالإضافة إلى فواكه جافة كاللوز المحلي، حيث لا يخلو بيت خلال هذه الفترة من دينامية خاصة، تُدفئها حرارة تبادل الحديث مع الضيوف والأقارب، ويكون للجيران أيضا نصيبهم في تبادل الأدوار في استضافة الزوار، ضمن شكل احتفالي جماعي، سمته التآزر وصلة الرحم وإحياء أحد أعرق التقاليد.

تبادل الزيارات في هذا الموسم كان له بعد آخر إبان فترة الاستعمار، حيث قال بنضاوش إن "الزيارات بين القبائل كانت تُستغل لعقد لقاءات بين قيادة القبائل ضد الاستعمار الفرنسي"، مشيرا إلى أن هذه الاحتفالات ترمز إلى علاقة الإنسان الأمازيغي بالأرض، ومدى قوته وقدم استقراره بالمجال.

 المصدر : hespresse رشيد بيجيكن 

Arabic English French German Spanish
Association

6 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع